محمد بن وليد الطرطوشي

450

سراج الملوك

سبع سنين ، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن يذبحه ، وأن يجعله قربانا ، فكتم إبراهيم ذلك على إسحاق وأمه وجميع الناس ، وأسرّه إلى خليل له يقال له : ( ألعازر ) ، وكان أول من آمن به من قومه يوم أحرق ، فقال له : إن الله سبحانه رفع اسمك في الملأ الأعلى على جميع أهل البلاء ، حتى كنت أرفعهم بليّة ، ليرفعك الله بقدر ذلك في المنازل والفضائل ، وقد علمت أن الله تعالى لم يبتليك بذلك ليفتنك ، ولا ليضلّك فلا يسو أنّ بالله ظنّك ، وأعوذ بالله أن يكون ذلك حتما منّي على الله تعالى ، أو سخطا بحكمه الذي حكم على عباده ، ولكن هذا حسن الظن بالله ، فإن عزم ربك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فتعزّى إبراهيم عليه السلام بقوله ، وأسند له رأيه وبصيرته ، وانطلق بإسحاق ، فلمّا صعد الجبل ومعه السكين والحبل وأداة القربان . فقال له إسحاق : يا أبت ، أرى معك أداة القربان ولا أرى قربانا . قال إبراهيم : يا بني ، القربان بعين ربك ينظر إليه ، وإن شاء رحم أباك ، فلم يفطن « 1 » إسحاق . فلما وافى رأس الجبل ، قال إبراهيم : يا بني ، إن الله تعالى أمرني أن أذبحك ، وأجعلك قربانا يرفعك إليه ويتقبّلك ، فانظر ما ذا ترى ؟ فتهلل إسحاق واستبشر ، فقال له والده : لقد فجعتك يا بنيّ بأمر ما فجع به والد ولده ، وإني لأرى من سرورك بذلك ، وشكرك لربك ، أمرا أرجو به العاقبة والفرج . فقال : يا أبت : لم يكن شيء من الدنيا أحبّ إلىّ من البرّ بك وبأمّي ، وقد حرمنيه ربى ، فإذا أردت ذبحى فاشدد وثاقي ، فإني أخاف حين يفارقني عقلي وأجد ألم الحديد ، أن يتحرك منى عضو فيؤذيك ، وأنا أكره أن أختم بذلك عملي ، فإذا فرغت من أمرى فأقرئ أمىّ السلام ، وقل لها : لا تجزعي ، فقد أكرم الله لك ابنك في جنّاته . فلما فرغ من وصيته ، عمد إبراهيم عليه السلام ، إليه فعصبه بعمامته ما بين منكبيه إلى الكعبين ، ثم كبّه لوجهه ، وكره أن يستقبل وجهه ، كي لا

--> ( 1 ) لم يفطن : لم يدرك القصد .